الفصل الاول الثالوث والتجسد والفداء
سوف نبدا اليوم سلسلة تبسيط الايمان المسيحي
والفصل الاول
| الثالوث والتجسد والفداء |
1هل المسيحية صعبة وغير سهلة؟!2أجرة الخطية موت3الله يعلن حبه للإنسان4تقابل قداسة الله مع محبته5أهمية الفداء6الرحمة والحق تلاقيا7فيه كانت الحياة8الله يخفي لاهوته عن الشيطان9بالموت داس الموت10أهمية القيامة بالنسبة للبشرية11المغزى وراء القيامة12المسيح هو باكورة الراقدين13الذي رآني فقد رأى الآب14هل المسيح هو الله أم ابن الله؟15مولود غير مخلوق16كيف تم التجسد؟17كيف أن الآب والابن والروح القدس واحد؟18كيف يموت السيد المسيح وهو كلمة الله المتجسد؟19كيف يوضع الله في القبر؟ ومَنْ كان يدير العالم وقتئذ؟20هل يمكن أن يتجسد الله؟
1هل المسيحية صعبة وغير سهلة؟!
إن المسيحية من الممكن أن يفهمها الأطفال الصغار، وقد قال السيد المسيح "أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (مت11: 25)، وقال أيضًا "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت11: 27). وقال أيضًا "أما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو14: 26).
إن الروح القدس هو الذي يعرفنا كل شيء عن الآب.. عن الابن.. عن الخلاص.. عن الفداء.. وعن أهميةصلب السيد المسيح من أجل خلاصنا. فالروح القدس هو الذي يبكتنا على خطايانا، ويعرفنا مدى احتياجنا للخلاص. وإنه بدون يسوع المسيح لا يمكن أن نصل إلى الحياة الأبدية . فالروح القدس هو الذي يكشف لنا حقيقتنا الصعبة..
حقيقتنا البشعة عندما نكون محرومين من نعمة الخلاص والتبرير والبنوة لله. عندئذ يرى الإنسان الحالة التي وصل إليها عصيانه لله ومخالفته للوصية.
إن الشيطان هو الذي أغوى الإنسان وهو في الفردوس، وجعله يخالف وصية الله، وشككه في محبته!! وقال له: إن الله لا يريدك أن تكون مثله عارفًا الخير والشر. وعندما شك الإنسان في محبة الله سقط تحت سلطانإبليس، وسقط تحت سلطان الخطية عندما أكل من الشجرة التي قال الله له لا تأكل منها.
2 أجرة الخطية موت
وبسبب الخطية دخل الفساد إلى طبيعة الإنسان، ودخل الموت كنتيجة للخطية. ونرى عند القبر الإنسان وهو ينتن ويأكله الدود فنعرف نتيجة الخطية وأن أجرة الخطية هي الموت. إن الدليل على حالة الفساد التي سببتها الخطية، هي حالة الفساد التي يصل إليها الإنسان في القبر. وهنا يبدأ الإنسان يفكر كيف سيخرج من حالة الفساد؟!! هو يحتاج إلى الخلاص من الموت ومن الفساد.
لقد أصبح هناك عداوة بين الله وبين الإنسان. وصحيح إن أجرة الخطية هي موت، لكن الإنسان أصبح يخاف من الله، وغير قادر على اكتشاف محبته. ويحتاج إلى أن يصالحه أحد مع الله، يحتاج إلى أن ينقذه أحد من سلطان الخطية، ويعطيه قوة الانتصار عليها ويشفيه منها ويشفي طبيعته. ويعيد إليه الحياة التي فقدها بسبب الخطية.
3 الله يعلن حبه للإنسان
لم يكن من الممكن أن يتخلى الله عن الإنسان، وأن لا يسعى في طلبه ويعمل شيئًا لأجله. لأن الله يحب الإنسان، ويعرف أن الشيطان هو الذي أغواه وهو الذي خدعه.
ولكن ليس من الممكن أن يسامح الله الإنسان بدون أن يعلن غضبه ضد الخطية. لأنه كيف يسامحه بدون أن يدفع ثمن الخطية ويوفي الدين؟!
ليس لأن الله يريد الانتقام، ولكن لأن الله لابد أن يعلن قداسته.
فلا بُد أن يظهر الله مدى كراهيته للخطية. و في نفس الوقت هو يريد أن يُخلّص الإنسان ويعرّفه مدى محبته.
إن الله يريد أن يبين للإنسان بشاعة الخطية، ويجعله يكرهها. ولكن لا يكفي أن يسامحه الله ويغفر له، ولكن لابد أن يشفيه. لأنه لو غفر له بدون أن يدفع ثمن الخطية لن تظهر قداسة الله بوضوح في نظر الإنسان.
فيقول الإنسان في نفسه إن الله من الممكن أن يقبل الخطية. أي أن الخطية شيء سهل بالنسبة لله ولا تعنيه في شيء.
وبالتالي من الممكن أن يستسهل الإنسان الخطية ويعتبرها شيئًا عاديًا، ولا تستحق أن يحاول أن يتحرر منها ويتركها. لذلك كان لابد أن يعمل الله شيئًا يجعل محبته وقداسته تتقابلان معًا..
فيبين للإنسان مدى كراهيته للخطية، إلى جوار محبته الجارفة للإنسان.
4 تقابل قداسة الله مع محبته
لذلك كان لا بُد أن يكون هناك فداء وكفارة، لكي يسامح الله ويغفر، ولا يكون غفران الله بدون ثمن. لأنه لو ترك الأمر بدون حساب فهذا معناه أن الخطية عند الله شيء بسيط ولا تعنيه في شيء وهذا يكون إهانة لله لأنه كيف يكون الله قدوسًا في مثل هذه الحالة!!
صحيح أن الله محب. لكنه في نفس الوقت هو قدوس. فلا بُد أن يعلن غضبه ضد الخطية و في نفس الوقت يعلن محبته للإنسان لأن إعلانه لغضبه فقط يجعل الإنسان يخاف من الخطية، ولكنه في نفس الوقت لا يستطيع أن يفهم محبة الله له. ومن هنا يظهر أهمية الفداء.
5 أهمية الفداء
إن السيد المسيح أخذ العقوبة التي لنا التي هي الموت. وهو لا يستحق الموت لأنه بار وبلا خطية. وبذلك استطاع أن يفدينا ويدفع ثمن الخطايا التي لكل البشر. ولكن كان لابد أن يكون هذا الفادي له قيمة كبيرة جدًا بلا حدود عند الله. ولا بُد أن لا يكون عليه غضب الله. وهذا شيء طبيعي؛ وإلا فكيف يفدى غيره إن كان هو نفسه يستحق الموت؟!! لم يكن عند الله بحسب التدبير أغلى من ابنه الوحيد المتجسد لكي يقدمه فداءً عن الإنسان، لذلك يقول الكتاب "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16).
6 الرحمة والحق تلاقيا
على الصليب كان الحل؛ فالإنسان يحتاج أن يعرف عن الله أمرين في نفس الوقت والاثنان يتقابلان معًا. يعرف أن الله يكره الخطية جدًا، ويعرف أن الله يحبه جدًا. فلو علم أن الله يحبه فقط ولكن يترك له الخطية فبذلك تكون صورة الله في نظره أنه ليس قدوسًا، وبذلك فإن الإنسان من الممكن أن يستسهل الخطية ولا يكرهها. وكذلك إذا رأى أن الله يكره الخطية فقط، ولم يبصر محبته فسوف يخاف من الله، وتكون هناك عداوة بينه وبين الله ولا يشعر بأبوته.
ولكن هذه المشكلة ليست عند الله، ولكن عند الإنسان. إنه غير قادر على فهم الله فهمًا سليمًا. لذلك يقول المزمور "الرحمة والحق تلاقيا العدل والسلام تلائما" (مز84: 10). أي أنه على الصليب الرحمة والحق التقيا معًا، ورأينا بأعيننا الرحمة والحق معًا، أو الرحمة والبر، فكلمة الحق تأتى أحيانًا بمعنى البر.
إن الله يريد أن يبين لنا مدى غضبه من الخطية: فعندما حمل السيد المسيح خطايانا ورأيناه يُجلَد.. ويُعذَب.. ويتألم وهو لم يفعل شيئًا سيئًا!! ولكن كل هذا بسبب خطايانا نحن.
فهل إلى هذه الدرجة تؤذى الخطية قلب الله ويكرهها إلى هذه الدرجة؟!! لدرجة أنها استوجبت أن المسيح البار القدوس، ابنه الوحيد، يتألم كل هذه الآلام لكي يدفع ثمن خطية الإنسان!!
إن هذا يجعل الإنسان ينظر إلى الخطية ويرى مدى فظاعتها ويرى المسيح وهو يُجلَد، ويعرف أن المسيح قد جُلِد لأجله، لأنه دفع ثمن لذة الخطية. إذ أن الله يحبه ويريد أن يخلصه من الهلاك الأبدي. ولكن بالرغم من أن هذا الجلد لم يقع على الإنسان الخاطئ.. ولكنه يشعر أنه هو الذي يُضرَب، لأن هذه هي خطيته. وهذا يجعله يخجل من الله، ويشعر أن السياط ينزل على مشاعره هو. وصوت الرب يناديه: هل هذه هي لذة الخطية التي تحبها؟!. انظر أن السيد المسيح هو الذي يدفع ثمنها!! هل سوف تحبها مرة أخرى أم سوف تبدأ في كراهيتها؟!.
إن الله لو فعل ذلك في الإنسان الخاطئ نفسه فلن يشعر أن الله يحبه بالرغم من أن الإنسان يستحق هذه العقوبة. لكن عندما يرفع الله عن الإنسان العقوبة ويدفع هو ثمنها. يبدأ الإنسان يقول في نفسه: هل أنا الذي سوف أتسبب للبار القدوس في أن يتعذب بهذه الطريقة. لابد أن أراجع نفسي.. لابد أن أتوب.. لابد أن أكره الخطية ولا يمكن أن أحبها.
يُحكَى عن إنسان كان بحارًا وكان له أخ أكبر رجل قديس وبار. وهذا البحار كان إنسانًا شريرًا وخاطئًا. وكان الاثنان بحارة على مركب واحد. و في أحد الأيام هاج البحر وكانت المركب على وشك الغرق. وعدد الركاب كان كبيرًا جدًا في السفينة، وعدد قوارب النجاة قليل. فقال القبطان سوف نعمل قرعة ومن أتى اسمه في القرعة هو الذي سوف يركب في قوارب النجاة ومن لم يأتِ اسمه في القرعة سوف يُترك في المركب.
وعندما تم عمل القرعة جاء اسم الأخ القديس في القرعة لكي يركب قارب النجاة، أما الأخ الخاطئ فاسمه لم يأتِ في القرعة. فحزن جدًا وقال سوف أموت الآن. فالأخ الكبير قال له لا تبكى ولكن اركب أنت مكاني وأنا سوف آخذ مكانك. فقال له ما ذنبك؟ فقال له الأخ الأكبر أنت الآن إذا مت وأنت غير مستعد سوف تهلك وتذهب إلى الجحيم، ولكن أنا أحب السيد المسيح وأتمنى أن أكون في أحضانه، وبنعمة الله سوف أذهب إلى الفردوس بعد موتى لأن "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (فى1: 23).
فمن الأفضل أن أموت أنا الآن لأن موتى لن يؤدى إلى هلاكي. ولكن موتك أنت سوف يؤدى إلى هلاكك. لكن لي شرطًا أنك تحيا حياتي التي كنت أحياها أنا. لأني سوف أموت لأجلك، فلا بُد أنك تعيش لأجلى. وقد وافقه الأخ الأصغر على هذا الشرط وعاهده عليه. وعندما نزلت قوارب النجاة إلى البحر بدأ الأخ الصغير يندم على خطيته ويتوب، وهو يرى الأخ الأكبر وهو على مسطح المركب الغارق وهو يناديه ويلوح له من بعيد قائلًا: لا تنسى العهد الذي بيننا أنك تعيش حياتي كما أنى أموت بدلًا منك.
إن هذه القصة توضح لنا ما فعله السيد المسيح لأجلنا . فنحن إذا حملنا خطايانا فسوف نهلك إلى الأبد، لكن إن حمل هو خطايانا لن يهلك لأنه هو الحياة "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو14: 6).
فقد كانت قوة الحياة التي في المسيح يسوع، أقوى من قوة الموت الذي لنا. فالله يريد أن يبين لنا مدى كراهيته للخطية وأنه يغضب بسببها. وقد أعلن الله غضبه ضد الخطية عندما دفع السيد المسيح ثمن خطايانا على الصليب "البار من أجل الأثمة" (1بط3: 18).
السيد المسيح لا يمكن أن يمسكه الموت، وأما نحن فالموت حينما يبتلعنا لا نستطيع أن نخرج منه مرة ثانية، إلا إذا أخرجنا السيد المسيح بنفسه من جوف الموت.
8 الله يخفي لاهوته عن الشيطان
عندما أغوى الشيطان حواء قال لها تعالى انظري هذه الشجرة "فرأت المرأة أنالشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل" (تك3: 6). والشيطان لكي يفعل ذلك اختفي في الحية "وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية" (تك3: 1).
فقال السيد المسيح سوف أسقى الشيطان من نفس الكأس التي سقاها للبشر. فأتى ابن الله الوحيد -كلمة الله- وتجسد وأخفى لاهوته عن الشيطان وأتى في صورة إنسان. وأصبح الشيطان متحيرًا إن كان هو كلمة الله أم لا؟
فأحيانًا يقول لا؛ لأنه عندما صام على الجبل جاع أخيرًا، وبدأ الشيطان يشك ويجربه والسيد المسيح كان يخفي لاهوته عنه. وظل هكذا حتى غضب الشيطان منه لأنه كان يصنع معجزات كثيرة ويبشر بحياة القداسة والتوبة ويجذب الناس إلى محبة الله فقرر أن يتخلص منه.
فعلق السيد المسيح على الصليب. والصليب صنع من خشب الشجر ويقول القديس مار أفرام السرياني }على الصليب عُلقت الثمرة{ وقال الرب للشيطان: هل ترضى أيها الموت أن تبتلع هذه الثمرة المعلقة على هذه الشجرة؟ والمقصود بالموت هنا هوإبليس.
قال: نعم سوف ابتلعها. وفتح الموت فاه لكي يلتهم هذه الثمرة المعلقة على الشجرة. لأنه رآها شهية للنظر وجيدة للأكل (اقرأ مقالًا آخرًا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات). لكن عندما ابتلع الموت هذه الثمرة ابتلع الحياة فكانت النتيجة أن ابُتلع الموت من الحياة. كأن تبتلع حجرة مظلمة مصباحًا موقدًا مضيئًا، فالظلام يتبدد.
إن هناك نوع من السمك الصغير عندما يبتلعه السمك الكبير؛ فالسمكة الصغيرة تأكل بطن السمكة الكبيرة من الداخل حتى تثقبها وتخرج منها وتتغذى عليها. فمع أن السمكة الكبيرة هي التي ابتلعت الصغيرة، لكن الصغيرة هي التي أكلت الكبيرة. فكما قال القديس مار أفرام السرياني "الموت ابتلَع الحياة فالموت ابتُلِع من الحياة".
فالجحيم ابتلع الحياة ولكنه لم يستطع أن يحتمل الحياة في داخله.
9 بالموت داس الموت
صحيح أن الموت أعلن قداسة الله على الصليب. حينما احتمل السيد المسيح الغضب الإلهي الذي نتج عن خطايا البشر، ولكنه في نفس الوقت غلب الموت وانتصر عليه. مثل شخص مصارع يسألونه هل تستطيع أن تغلب الأسد؟ فيقول نعم. بل أستطيع أكثر من ذلك. أستطيع أن أترك الأسد يبتلعني ثم بعد ذلك انتصر عليه. وبذلك يكون ذلك المصارع هو أقوى الأقوياء. فالسيد المسيح ترك الموت لكي يبتلعه ثم بالموت داس الموت وقام منتصرًا في اليوم الثالث من بين الأموات. لم يقمه أحد ولكنه بسلطانه الإلهي قد أقام نفسه.
فمثلًا لعازر أخو مرثا ومريم أقامه السيد المسيح إذ قال له "لعازر هلُمَّ خارجًا" (يو11: 43). ولكن السيد المسيح من الذي أقامه؟!! وكما قال "ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم" (مت17: 22، 23). وقال لليهود عن هيكل جسده "انقضوا هذا الهيكل و في ثلاثة أيام أقيمه" (يو2: 19). وقد اعتقد اليهود أنه يتحدث عن هيكل سليمان ولكنه كان يتكلم عن هيكل جسده وكما يقول الكتاب "أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية؟!" (1كو15: 55).
وقد قام السيد المسيح من بين الأموات. وإن لم يكن قد قام فسوف تكون القصة محزنة جدًا. فالسيد المسيح بموته حل مشكلة الخطية. ولكن إن كان قد مات ودفع ثمن خطايانا وحل مشكلة الخطية لكنه لم يحل مشكلة الموت. فبموته حل مشكلة الخطية وبقيامته حل مشكلة الموت الذي نتج عن الخطية. إنه بالقيامة قد فرح التلاميذ، وفرحت الكنيسة، وفرح العالم كله "أنار الحياة والخلود" (2تى1: 10). وأيضًا يقول الكتاب "فإن الحياة أُظهَرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا" (1يو1: 2).
10 أهمية القيامة بالنسبة للبشرية
إن هذه القصة تبين لنا أهمية القيامة بالنسبة للبشرية، وكذلك تبين لنا فكرة الفداء والكفارة والخلاص بدم المسيح..
كان شخصًا يوصى ابنته أن لا تخرج من المنزل في وقت متأخر، لأنه يخاف عليها. ولكنها كانت تظن أن والدها لا يحبها. لأنه يقيدها ويعطيها أوامر. وهى تريد أن تخرج مع صديقاتها وتستمتع. و في أحد الأيام تزينت وكانت تريد أن تخرج. وسألها والدها إلى أين تذهب؟ ولكنها لم ترد أن تجيب وخرجت وهى لا تبالي. فذهب وراءها بدون أن تشعر لأنه كان يخاف عليها.
فطلع عليها مجموعة من الشبان يريدون أذيتها وسرقتها. فلم يحتمل والدها هذا المنظر وتحرك بسرعة نحوهم وهو يصرخ: ابنتي.. ابنتي. وبظهوره المفاجئ تركوا الابنة، واشتبكوا مع الأب بالسكاكين. وأفلتت الابنة ونظرت والدها وهم يذبحوه أمام عينيها. وذهبت إلى منزلها وهى في حالة من الانهيار التام وهى تبكى وتقول لأمها: أنا السبب في قتل أبى وهو قد ذُبح أمامي. وجلست تتذكر أنه كم من المرات قد أوصاها وكانت تعتقد أنه لا يحبها: كانت ترى في وصيته أنه يكرهها وهى لا تدرك مدى محبته لها. وقد ظلت على هذه الحالة حزينة وكئيبة، وهى لا تطيق الحياة.
و في أحد الأيام وجدت الباب يقرع وعندما فتحت الباب وجدت والدها أمامها، فرحت به وقبلته وسألته كيف أتى؟ فقال لها قد أتيت حتى لا تعيشين طوال عمرك وأنت تشعرين أنك أنت التي تسببتي في موتي. فكما أن حبي لكِ جعلني أموت من أجلك.. فحبي لكِ أيضًا هو الذي جعلني أرجع مرة ثانية للحياة لكي أجعلك تفرحين بقيامتي.. تفرحين بتوبتك ورجوعك إليَّ.. تفرحين بحياتك معي. وهذه كانت فرحة الكنيسة عندما تقابلت مع السيد المسيح القائم.
وهنا نستطيع أن نفهم المغزى الذي وراء القيامة. حيث إن السيد المسيح قد رجع إلى الكنيسة لكي يفهمها أنه حتى حزن الصليب لا يستطيع أن يتركها فيه. فبالرغم من أنه قد دفع ثمن خطايانا ولكننا سوف نعيش طوال العمر ونحن نشعر أن أيدينا ملوثة بدم السيد المسيح لأننا نحن السبب. لذلك قال القديس بولس عن السيد المسيح "الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو4: 25). لأننا لا نستطيع أن نتبرر ونستعيد سلامنا إلا إذا قام السيد المسيح من بين الأموات.
فإذا كان بالصليب قد دفع ثمن خطايانا، فبقيامته محا خطايانا وسامحنا وصالحنا.
وقد كان الإنسان لابد أن يطمئن على مصيره وذلك بعودة الحياة من جديد مرة أخرى. وهذه هي القيامة التي تبشر بها المسيحية في العالم كله.
وعندما أراد الرسل اختيار أحد التلاميذ بدلًا من يهوذا الإسخريوطي قالوا نختار واحدًا شاهدًا معنا بقيامة السيد المسيح "يصير واحدًا منهم شاهدًا معنا بقيامته" (أع1: 22).
12 المسيح هو باكورة الراقدين
إن المسيحية تبشر بالحياة وبقيامة السيد المسيح من بين الأموات "قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (1كو15: 20). وبذلك عرف الإنسان أنه يوجد حياة أخرى بعد الموت، وكذلك عندما شاهد التلاميذالسيد المسيح صاعدًا إلى السماوات. عرفوا أنه ليس فقط يوجد حياة بعد الموت ولكن يوجد ملكوت سماويوحياة أفضل. لذلك فإن السيد المسيح قال "أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يو10: 10)
يُحكَى عن ملك أوحى عدو له إلى الشعب أنه ملك مستبد وقاسى لذلك شعروا أنهم لا يستطيعون أن يحبوه. فسمع الملك هذا الكلام وشعر أن الشعب متضايق منه لأنهم لا يفهموه. فلبس ثياب بسيطة فوق ثياب الملك ونزل وعاش في وسطهم، يحل لهم مشاكلهم ويترأف عليهم، ويعطيهم من حكمته، والمريض يظل بجواره ويخدمه حتى يُشفى. فأحبه جميع الشعب جدًا وقالوا لم نرَ شخصًا بهذه الروعة نحن نريد هذا الرجل أن يكون ملكًا علينا.
و في أحد الأيام خطفوه وذهبوا به إلى قصر الملك واقتحموا القصر وهتفوا قائلين:
يحيا الملك.. يحيا الملك.. وأجلسوه على العرش.
فخلع الملك الثياب التي كان متخفيًا فيها وقال لهم أنا هو الملك أنتم لم تعرفوني، ولكنكم الآن قد عرفتم محبتي وعرفتم حقيقتي.
لذلك عندما قال فيلبس أحد الاثني عشر تلميذ للسيد المسيح:
"يا سيد أرنا الآب وكفانا. قال له يسوع أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب؟! ألست تؤمن إني أنا في الآب والآب فيَّ" (يو14: 8-10).
فالآب والابن والروح القدس إله واحد.
الاجابة هي
إن أي ملك هو ابن ملك فعندما نقول عنه أن هذا هو الملك يكون الكلام صحيحًا، وعندما نقول إنه ابن الملك يكون الكلام صحيحًا أيضًا لأنه من الجنس الملوكي: فهو ملك ابن ملك.
فالسيد المسيح هو الله بسبب جوهره الإلهي أنه واحد مع الآب في الجوهر، وهو ابن الله بسبب أنه كلمة الله المولود من الآب قبل كل الدهور. وهناك من يسأل. هل المسيح إنسان ثم أصبح إله فنجيب. لا. لأننا نرفض تمامًا أن أي إنسان يصير إلهًا. لكن السيد المسيح هو إله متجسد، وليس إنسانًا متألهًا. لذلك نقول في قانون الإيمان }نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور{ أي قبل خلق العالم والملائكة والبشر. فكلمة الله مولود من الآب.} نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوي للآب في الجوهر}.
إن الآب لم يخلق الابن، لأننا نعرف أن الابن هو كلمة الله، ويمكن أن نأخذ تشبيهًا سهلًا: مثل العقل والفكر. فالعقل يلد الفكر، ولا يوجد عقل بدون فكر. والعقل بدون فكر لا يكون عقلًا. والنور يلد الشعاع، فهل النور يتزوج لكي يلد الحرارة!! بالطبع لا. إذن فولادة العقل من الفكر هي ولادة طبيعية، وكذلك ولادة النور من النور هي ولادة طبيعية.
ولكن هل لأن العقل هو الذي يلد الفكر فمعناه أن العقل كان يوجد من قبل الفكر؟! فالإجابة لا. لأن العقل بدون فكر لا يكون عقلًا. فالعقل والفكر شيء واحد، لا يمكن فصلهما لأنه كيف يمكن فصل العقل عن الفكر الموجود داخله!! لأنه لو تم فصل العقل من الفكر: فالعقل لا يكون عقلًا. وكذلك لو تم فصل كلمة الله عن الله، فالله يفقد ألوهيته. وإذا كان العقل لا يوجد له بداية فالفكر أيضًا لا يوجد له بداية.
إذا كان الآب أزليًا فالابن أيضًا أزلي والآب وكلمته واحد لا يمكن فصلهما لذلك قال "أنا والآب واحد" وليس فقط الآب والكلمة واحدًا؛ ولكن الآب والكلمة والروح القدس لذلك نقول }باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين{.
إن الولادة من الآب السماوي شيء، والولادة من العذراء شيء آخر. فهو مولود من الآب قبل كل الدهور وقبل خلق العالم كله ولادة إلهية روحية بدون أم. لذلك نقول عنه في قانون الإيمان }المولود من الآب قبل كل الدهور{. عندما أراد الله أن يخلصنا أرسل ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ليفتدى الذين هم تحت الناموس من لعنة الخطية كما قال الكتاب "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس. ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبني" (غل4: 4، 5) وأيضًا يقول الكتاب "الكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده مجدًا كما لوحيدٍ من الآب مملوءًا نعمةً وحقًا" (يو1: 14). إنه كلمة الله الأزلي الذي هو كائن في حضن الآب كل حين وكما يقول "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" (يو1: 18). فعندما تجسد الكلمة رأينا الله. لذلك يقول "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو14: 9).
16 كيف تم التجسد؟
لقد حل الروح القدس على العذراء مريم بدون زواج، وطهَّرها، وقدسها، وملأها نعمة، وكوّن من جسدها ناسوتًا أو طبيعة إنسانية. وهذه الطبيعة البشرية الخاصة به اتخذها كلمة الله وتجسد بها، لكي يولد من العذراء كإنسان. وكما نقول إنه بولادته من الآب قد دعى ابن الله، هكذا نقول بولادته من العذراء يسمى ابن الإنسان. ولكن ابن الله هو هو نفسه ابن الإنسان، وليس شخصًا آخر؛ حتى بعد ولادته من العذراء هو ابن الله. لذلك قال الملاك للعذراء "القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو1: 35). والسيد المسيح نفسه كان أحيانًا يسمى نفسه "ابن الإنسان"، وأحيانًا أخرى "ابن الله".
فكما وُلد من الآب قبل كل الدهور ولادة روحية إلهية بدون أم، هكذا أيضًا ولد في ملء الزمان ولادة إنسانية بدون أب. فهو ولد من الآب أزليًا بدون أم، وولد من العذراء ولادة زمنية بدون أب. فلا ينبغي أن يتم خلط الولادتين معًا. ولا يسأل واعظ ساذج أو بسيط في عظة }المسيح من أبوه؟!{. فيرد الناس ليس له أب. فيرد في بساطة ويقول لأن الله أبوه. وهذا الكلام غير صحيح فالمسيح ليس له أب جسدي لأنه ولد من العذراء بدون أب، وليس له أم في اللاهوت لأنه ولد من الآب بلاهوته بدون أم.
17 كيف أن الآب والابن والروح القدس واحد؟
النار يوجد بها لهب؛ واللهب يخرج منه نور وحرارة. فاللهب يسمى نار، والنور يسمى نار، والحرارة تسمى نار، والدليل على ذلك من الممكن أن نقول إننا نوقد النار، أو إننا نوقد اللهب، أحيانًا نقول نحن نستنير بالنار أو نحن نستدفئ على الحرارة أو نحن نستدفئ على النار.
فاللهب والنور والحرارة الخارجة منه شيء واحد أي نار واحدة وليسوا ثلاثة نيران. ولكن اللهب غير النور غير الحرارة. ومع أن اللهب غير النور غير الحرارة ولكن اللهب إن لم يلد نورًا ويشع حرارة لا يكون نارًا على الإطلاق. فاللهب بنوره وحرارته يكون نارًا حقيقية.
هكذا إذا تأملنا في الثالوث القدوس نفهم أن الآب هو الله، والابن هو الله، والروح القدس هو الله.
مثل اللهب نار، والنور نار، والحرارة نار، فالآب هو الله الآب، والابن هو الله الابن، والروح القدس هو الله الروح القدس، ويمكن أن يُقال الله فقط بدون الآب. كما نقول أن اللهب هو نار فالتسمية ليست مشكلة ولكن إذا لم يوجد الابن لا يوجد الله.
لأنه لا يوجد آب بغير ابن ولا توجد نار بغير حرارة؛ حتى لو كان هناك لهب.
لأن اللهب بدون حرارة ليس له قيمة، وكذلك أيضًا العقل بدون فكر ليس له قيمة، فالمولد يلد كهرباء، والنور يلد شعاع، والعقل يلد فكر، والزهور تلد رائحة، والمغناطيس يلد مجال مغناطيسي، والنبات يلد براعم، ولا يوجد شيء في الوجود كله لا يلد غير الحجر والجماد الأصم.
فالله أعلن لنا أنه كإله واحد هو آب وابن وروح قدس.
إن السيد المسيح قد مات بحسب الجسد، لكن لم يمت بحسب طبيعته الإلهية. فالإنسان العادي له روح وجسد: فروحه لا تموت، ولكن جسده يموت، وهو إنسان واحد. فبعد أن يموت جسد الإنسان يبقى روحًا حيًا لأن إلهنا "ليس هو إله أموات بل إله أحياء" (مر12: 27).
فإذا كان الإنسان روحه وجسده متحدان معًا، ومن الممكن أن يموت بحسب الجسد ولا يموت بحسب الروح كما قيل عن ناسوت السيد المسيح بعد موته على الصليب بالجسد وبقاء روحه الإنسانية حيًا وكلاهما متحدًا باللاهوت "مماتًا في الجسد ولكن محييًا في الروح" (1بط3: 18). فبنفس الصورة الكلمة المتجسد من الممكن أن يموت بحسب الجسد ولا يموت بحسب الروح الإنسانية، وبالطبع أيضًا بالمثل لا يموت بحسب الطبيعة الإلهية، لأن لا الروح الإنسانية يموت، ولا اللاهوت يموت.
19 كيف يوضع الله في القبر؟ومَنْ كان يدير العالم وقتئذ؟
إن الذي وضع في القبر هو جسد السيد المسيح المتحد باللاهوت، ولكن في نفس الوقت لاهوته يملأ الوجود كله. وأيضًا بالمثل كيف وهو في بطن العذراء يدير العالم كله؟!
إن أي شخص له جهاز تليفزيون يمكنه أن يستقبل فيه الصورة والإرسال. ولكن الإرسال مالئ الفراغ المحيط به بحيث يمكن أن يستقبل نفس الإرسال شخص آخر في دولة أخرى حول العالم، وهو نفس الإرسال فبرغم من أن الإرسال مالئ الأجواء العليا إلا أنه يمكن أن يُستقبَل في جهاز صغير بكل تفاصيله وأحداثه وألوانه وكلماته.
فعندما تجسد السيد المسيح في بطن العذراء اتحد اللاهوت بالناسوت وفي نفس الوقت لاهوته كان يملأ الوجود كله، ولا يحده مكان. فإذا كان إرسال التليفزيون من الممكن أن يملأ الأجواء والعالم كله ولا نتعجب من استقباله في جهاز صغير في بيت !! هل نتعجب أن لاهوت السيد المسيح يملأ الوجود كله و في نفس الوقت تستقبلهالعذراء مريم متجسدًا في بطنها بسر لا ينطق به ومجيد. ونفس الوضع عندما كان في القبر وهو نفسه قال "ليس أ
حد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسانالذي هو في السماء" (يو3: 13). أي أن لاهوته يملأ السماء والأرض.
20 هل يمكن أن يتجسد الله؟
إن الله منزه عن الخطية، والتجسد ليس خطية والسيد المسيح جاء قدوس وبلا خطية. والجميع يعترفون بهذا والله منزه عن التغير ونحن نقول إن لاهوته متحد بناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، والتجسد لم يجعل اللاهوت يتغير بدليل أننا نقول إن السيد المسيح مات بحسب الجسد، وليس بحسب اللاهوت. فعند التجسد لم يمت اللاهوت أي أن لاهوته لم يتغير قبل وبعد التجسد. فطبيعته الإلهية لم تتغير. إذن فلا يوجد تغير ولا خطية، ولكن التجسد كان لأجل خلاص البشرية ولإظهار حب الله.
وكما ظهر الله لموسى على هيئة نار في العليقة والكل يعترفون بذلك.. وكلمه قائلًا "أنا الله" وقد رآه على هيئة نار مشتعلة في الشجرة. إذن الله من الممكن أن يظهر. فأيهما أفيد وأفضل؟! أن يظهر على هيئة نار؟ أم أن يظهر كفادٍ ومخلص، لكي يظهر لنا محبته على الصليب؟!! إن العليقة المشتعلة بالنار في برية سيناء كانت تشير إلى التجسد في بطن العذراء مريم حيث لم يحترق الناسوت لسبب اتحاده باللاهوت، وتشير إلى الصليب، لأنه على الصليب اشتعلت نار العدل الإلهي. والشجرة التي ترمز إليها العليقة هي خشبة الصليب. لذلك يذكرنا مشهد الصليب بالمشهد الذي رآه موسى على الجبل.
وهنا قد أوضحنا أن السيد المسيح هو ابن الله الوحيد الذي تجسّد لأجل خلاصنا، لكي يفدينا وأعطانا حياته لكي نعيش بها كما يقول بولس الرسول "وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام" (2كو5: 15) فهل نحيا نحن وندرك أننا لسنا لذواتنا ولا لشهواتنا بل للمسيح الذي اشترانا بدمه..؟
الفصل الاول الثالوث والتجسد والفداء
Reviewed by Unknown
on
2:39 ص
Rating:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق